محمد بن زكريا الرازي
291
منافع الأغذية ودفع مضارها
واليبس ، بقدر ميل ذلك البدن عن الاعتدال ، ما دام صحيحا . ويرده إلى صحته ، إذا مرض ، الأغذية المضادة لمزاجه ، التي هي الباردة الرطبة . وكذلك القياس في سائر الأمزجة . وعلى هذا ، ينبغي أن يكون تدبيره في حفظ الصحة ، إلّا أن تريد أن تنقل بدنا من الأبدان الخارجة عن الاعتدال إلى الاعتدال وتطمع في ذلك منه ، ويمكن أن يفرغ هو لنفسه مدة ما يكون فيه ذلك . فأما من لم تطمع ذلك منه فليكن قصاراه إدامة حفظه على مزاجه ، فإن في ذلك حفظ صحته ، وإن كانت صحته غير وثيقة ولا مأمونة . في أن الأكثر من الأغذية المشتهاة مشاكلة للبدن وفضل جودة في الهضم وقد يتفق في الندرة الأمر بضد ذلك وعلامة ذلك الشيء المشتهى ، والذي تتوق إليه النفس توقانا شديدا ، إن كان يغذو ولم يكن بفاضل الغذاء ، فإن غذاءه سيصير جيدا بجودة الهضم . وذلك أن له مشابهة في المزاج لذلك البدن . ولذلك ، ينبغي أن يختار ولا تمنع النفس منه . وأما إن كان من جنس ما يغذو ، ويكون في غذائه رداءة الغذاء ، فليمنع منه . وذلك أن تلك الشهوة حينئذ ليست لمشابهة طبيعة البدن ، لكن لغلبة مزاج أو خلط رديء على المعدة أو على فمها . في ذكر قانون كلّي في اختيار الأغذية بحسب أحوال الأبدان ينبغي أن يجري الأمر في اختيار طعام ما على غيره على طريقين : أحدهما ما أوجبه طول التجربة والتفقد في كل إنسان بعينه ، فيجتنب ما يجده يضره دائبا ، وبالضد . والثاني أن يختار الغذاء بحسب الحاجة إليه لموافقته ، كما يختار الخبز الكثير الخمير والبورق « 1 » واللحم المتين اللزج والشراب الغليظ الكدر للنحفاء والمحرورين . في ذكر ما تقلّ حاجته في حفظ الصحة إلى استعمال الحركة والحمّام قبل الطعام ومن تكثر حاجته إليها النحفاء ، والمحرورون ، والذين يصدعون عند تأخير الطعام عنهم وتظلم أعينهم وتغثى نفوسهم ، أقلّ الناس حاجة إلى الحركة والحمّام قبل الطعام ، والانتظار به علامة
--> ( 1 ) البورق : سبق شرحه .